top of page

رحلة التحول التربوي: مسار كوردستان نحو عصر الذكاء الاصطناعي

  • 27 يوليو
  • 5 دقيقة قراءة

إقليم كوردستان العراق هو إقليم فيدرالي يتمتع بالحكم الذاتي في شمال العراق، تديره حكومة إقليم كوردستان (KRG). بعد انتفاضة عام ١٩٩١ ضد نظام صدام حسين وإنشاء ملاذ آمن تحت الحماية الدولية، بدأ الإقليم بإعادة بناء مؤسساته، بما في ذلك نظامه التعليمي.

في أعقاب الانتفاضة الكوردية عام ١٩٩١، وسط العقوبات الاقتصادية والنقص الحاد في الموارد، استمرت الصفوف الدراسية في إقليم كوردستان العراق ضمن نظام صمد بفضل المرونة والصمود.

اليوم، في عام ٢٠٢٦، تتنقل هذه الصفوف ذاتها بين فرص وتحديات الذكاء الاصطناعي، في سعيها لتحقيق المعايير الدولية.

بصفتي مربية من تلك الأيام الأولى، شهدت هذا النظام يمر بتحول جذري. لم يقتصر هذا التحول على تغيير الكتب المدرسية والمناهج فحسب، بل شمل أيضًا عملية أوسع من التحديث واستعادة الهوية.

المحطات الرئيسية في تعليم إقليم كوردستان

لفهم أفضل لموقعنا اليوم، من المهم النظر إلى الوراء نحو التطورات الرئيسية التي شكّلت المشهد التعليمي الحالي. توجد العقبات في كل نظام تعليمي، لكن إقليم كوردستان العراق يمثل حالة فريدة تشكّلت بفعل ظروف جيوسياسية استثنائية.

تشكّل نظامنا التعليمي بفعل الصراع والتهجير والعقوبات وكفاح الشعب الكوردي للحفاظ على لغته وثقافته وهويته.

بين عامي ١٩٩١ و٢٠٠٦، وهي فترة حاسمة من تاريخنا، كانت إحدى الأولويات المهمة إزالة آثار التحيز الأيديولوجي البعثي من المناهج التي كانت مفروضة قسرًا في مدارس إقليم كوردستان.

في ظل حكم حزب البعث في العراق (١٩٦٨-٢٠٠٣)، كان يُتوقع من المدارس الترويج لرواية قومية عربية مركزية، ساهمت أيضًا في تهميش تاريخ ولغة وثقافة الكورد وكثير من الأقليات غير العربية الأخرى.

على مدى عقود، عانت مجتمعاتنا من التعريب والتبعيث القسري عبر المناهج التعليمية، إلى جانب حملات وحشية ضد الكورد وغيرهم من المجتمعات التي تعيش في العراق.

كانت الخطوة الأولى في هذه العملية هي التأسيس الرسمي للغة الكوردية كلغة أساسية للتعليم، وهو انتصار كبير مكّننا من تعليم أطفالنا بلغتهم الأم واستعادة حقوقنا اللغوية وهويتنا.

بالنسبة لكثير من العائلات الكوردية، مثّل هذا أكثر بكثير من مجرد إصلاح تقني. كان رمزًا للبقاء الثقافي وتقرير المصير بعد عقود واجه فيها التعليم باللغة الكوردية قيودًا شديدة في فترات وأماكن مختلفة.

ومع ذلك، كانت هناك تحديات عديدة، مثل النقص الحاد في المرافق المدرسية، مما أدى إلى دوامات دراسية مزدوجة وثلاثية في العديد من المدن.

يمكن اعتبار الفترة بين عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٩ الموجة الأكثر جرأة من الإصلاح نحو التحديث التي أطلقتها حكومة إقليم كوردستان. استُبدلت البرامج التي تركز على الحفظ والتكرار بمناهج معترف بها دوليًا. والأهم من ذلك، تم تمديد التعليم الإلزامي من الصف السادس إلى الصف التاسع، وهي خطوة مدروسة وطموحة في وقت كانت فيه معدلات الأمية في ازدياد. وإلى جانب هذه الإصلاحات، أُطلقت حملات لتشجيع المتسربين من المدارس على العودة إليها.

تبعت ذلك المزيد من الإصلاحات والتغييرات بين عامي ٢٠١٠ و٢٠٢١. أُعيد تنظيم الهيكل التقليدي للتعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي إلى مرحلتين: التعليم الأساسي (الصف الأول-الصف التاسع) والتعليم الإعدادي (الصفوف ١٠-١٢). خطوة مهمة أخرى كانت رفع الحد الأدنى لمؤهلات جميع المعلمين الجدد إلى درجة البكالوريوس في تخصصاتهم، إلى جانب توفير فرص التطوير المهني للمعلمين العاملين لمتابعة مؤهلات أعلى، لتلبية متطلبات المناهج المحدّثة ومعايير التدريس المتطورة.

توّجت هذه الجهود في عام ٢٠٢٢ عندما أقر برلمان الإقليم قانونًا حديثًا وشاملًا للغاية بشأن التعليم والتعلّم. كانت هذه خطوة جريئة نحو التنسيق القانوني وتنظيم التعليم العام والخاص، الذي كان يتوسع خلال هذه الفترة. أرسى هذا القانون حماية أوضح لحقوق الطلاب والمعلمين، مع الحفاظ على العدالة التعليمية في جميع أنحاء الإقليم.

من التعافي إلى التحول الرقمي

لدينا اليوم نظام تعليمي متقدم للغاية ثنائي اللغة، وفي بعض الحالات ثلاثي اللغة. يتعرف الطلاب على اللغتين الكوردية والإنجليزية، والعربية، منذ السنوات الأولى من التعليم الأساسي. يحافظ هذا الأساس الثلاثي اللغة على التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية الكوردية من جهة، والواقع العملي للغة عالمية مثل الإنجليزية والعربية كلغة المؤسسات الفيدرالية العراقية من جهة أخرى.

جاء اختبار آخر في أعقاب أزمة داعش عام ٢٠١٤، عندما استولى تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على مساحات واسعة من العراق وسوريا، مما تسبب في واحدة من أكبر أزمات النزوح في تاريخ المنطقة الحديث. في تلك اللحظة، تحوّل قطاع التعليم في إقليم كوردستان إلى ملاذ إنساني، حيث فتحت مدارس كوردستان أبوابها لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وكذلك النازحين داخليًا من محافظات عراقية أخرى اضطرهم الخطر الأمني للفرار. في ذروة الأزمة، أصبح إقليم كوردستان ملاذًا ليس فقط للمجتمعات الكوردية، بل أيضًا للعرب والإيزيديين والمسيحيين ومجموعات أخرى فرت من العنف.

أدت هذه الزيادة السكانية السريعة والمفاجئة، إلى جانب الاستعداد المحدود، إلى اكتظاظ الصفوف الدراسية والحاجة إلى اللجوء إلى الدوامات المزدوجة والتناوب. وقد شكّل نقص التدريب المناسب لمعلمينا للاستجابة لهذه الظروف تحديًا كبيرًا. فتحت عدة وزارات اتحادية، بما فيها وزارة التربية، مكاتب احتياطية في إقليم كوردستان لإدارة امتحانات الطلاب النازحين ومواصلة العمليات الإدارية الروتينية، بعد أن سيطر داعش على العديد من المناطق الحدودية مع الإقليم. اضطر معلمونا ومربونا لتعلم كيفية التعامل مع الطلاب القادمين من ظروف مأساوية، وهو ما شكّل تحديًا آخر.

ومع ذلك، خلقت هذه التحديات، إلى جانب تجربة إدارة التنوع اللغوي والأزمات والتهجير، حافزًا لتبني الأدوات الرقمية والمدعومة بالذكاء الاصطناعي القادرة على العمل على نطاق واسع. كما سرّعت الجهود المستمرة لتحديث قطاع التعليم. وبفضل الرؤية طويلة الأمد لسلطات إقليم كوردستان، وخاصة وزارة التربية، شهد النظام تحولًا رقميًا كبيرًا واقترب أكثر من المعايير الدولية والمقاييس الحديثة. ونتيجة لذلك، يعتمد الإقليم بشكل متزايد على المنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي:

تطبيق e-Parwarda (https://www.e-parwarda.com/) هو المنصة الرقمية الرسمية لإدارة التعليم التي طُوّرت لوزارة التربية في حكومة إقليم كوردستان (KRG). يعمل كمنظومة موحدة لربط المدارس والمعلمين والطلاب وأولياء الأمور في جميع أنحاء إقليم كوردستان.

تطبيق e-Helsengandn هو تطبيق تقييم مصمم خصيصًا لوزارة التربية، يوفر وصولًا فوريًا إلى درجات الطلاب والواجبات المنزلية وحتى ملاحظات المعلمين والتقييمات. تُعد هذه بداية واعدة جدًا في قطاع التعليم لأنها تتوسع عامًا بعد عام لتشمل المزيد من الميزات.

تطبيق قوتابخانەكەم (مدرستي - http://qutabxanekem.krd/) هو أيضًا جزء من هذا التحول الرقمي، حيث يوفر محتوى دراسيًا رقميًا تفاعليًا ومتعدد اللغات مباشرة للطلاب وأولياء الأمور الذين يمكنهم دعم ومتابعة تعلم أطفالهم أينما ومتى أرادوا.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا، لكن المخاطر أكبر في الوقت الحالي. لا ينبغي أن يقوم دمج الذكاء الاصطناعي في أي نظام تعليمي على إيمان أعمى بأن "الآلات يمكنها إصلاح ما لا يستطيع البشر إصلاحه."

مؤخرًا، عقدت منظمة التعليم الدولية أول اجتماع وجهًا لوجه لشبكة الذكاء الاصطناعي التابعة لها في مدريد، إسبانيا (٢٩-٣٠ يونيو ٢٠٢٦)، بمشاركة من أكثر من ٤٣ دولة. وأشار ديفيد إدواردز، الأمين العام لمنظمة التعليم الدولية، بشكل صائب إلى أن الذكاء الاصطناعي يدخل مجال التعليم بسرعة غير مسبوقة، وأن السؤال ليس ما إذا كان سيؤثر على صفوفنا الدراسية، بل ما إذا كان سيفعل ذلك بطرق تحمي الطلاب وتحترم المعلمين وتعزز التعليم العام. أُثيرت مخاوف جدية أخرى عديدة في ذلك الاجتماع، تدور جميعها حول فكرة أن الذكاء الاصطناعي يتحدى جوهر ما يعنيه أن نكون وأن نصبح في هذا العصر.

في كوردستان، وعلى الرغم من التقدم الكبير، لا تزال هناك تحديات هيكلية مهمة. فرغم بناء مئات المدارس منذ عام ٢٠٠٣، لا تزال الدوامات الصباحية والمسائية ضرورية في عدة مناطق من الإقليم، خاصة في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان، مما يؤدي إلى انخفاض كبير في ساعات التدريس.

بالنظر إلى الوراء، يمكننا أن نرى المسافة التي قطعناها، لكن الأفضل لا يزال قادمًا. المهمة المقبلة أكبر حتى، وهي تحسين جودة التدريس، ودعم المعلمين من خلال التطوير المهني، وضمان أن يكون خريجو مدارسنا مواطنين عالميين مستعدين لعالم سريع التغير في عصر الذكاء الاصطناعي.

Written by Himdad A. Muhammad



تعليقات


bottom of page